إسم الكتاب : البخلاء ( عدد الصفحات : 310)


البخلاء


البخلاء

1


بسم الله الرحمن الرحيم
جميع الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر
2004 م
تطلب منشوراتنا في الولايات المتحدة الأمريكية
على العنوان التالي :
P . o . Box : 3266
FallschurcH .
Virginia usa . 22043


بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر 2004 م تطلب منشوراتنا في الولايات المتحدة الأمريكية على العنوان التالي :
P . o . Box : 3266 FallschurcH .
Virginia usa . 22043

2


البخلاء
للجاحظ
( أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب المتوفى سنة 255 ه‍ / 868 م )
قدم له وشرحه
د . عباس عبد الساتر
منشورات
دار ومكتبة الهلال
بيروت


البخلاء للجاحظ ( أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب المتوفى سنة 255 ه‍ / 868 م ) قدم له وشرحه د . عباس عبد الساتر منشورات دار ومكتبة الهلال بيروت

3


جميع الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر
الطبعة الأخيرة
المتعهد الوحيد لتوزيع منشوراتنا :
دار ومكتبة الهلال للطباعة والنشر
جادة هادي نصر الله - بناية برج الضاحية - ملك دار ومكتبة الهلال - تلفون : 009611540891 فاكس : 009611540892
ص . ب . : 5003 / 15 الرمز البريدي 2010 - 1101 البسطا - بيروت لبنان
http : \ \ www . darelhilal . com E - mail : info @ darehilal . com


جميع الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر الطبعة الأخيرة المتعهد الوحيد لتوزيع منشوراتنا :
دار ومكتبة الهلال للطباعة والنشر جادة هادي نصر الله - بناية برج الضاحية - ملك دار ومكتبة الهلال - تلفون : 009611540891 فاكس : 009611540892 ص . ب . : 5003 / 15 الرمز البريدي 2010 - 1101 البسطا - بيروت لبنان http : \ \ www . darelhilal . com E - mail : info @ darehilal . com

4


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
الحمد للَّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد . . .
فقد اتّسم العصر العباسي بثروة فكرية عارمة تمثّلت بالدراسات والعلوم والآداب والآثار الجمّة ، التي ظهرت في مرحلة ذهبية ، كان لها كبير الأثر في تنمية الأدب وإغناء التراث العربي وتطويره . والملاحظ أن العصر العباسي كان غنيّا بالأدباء والشعراء على اختلاف مراحله ، وهذا ناشىء عن الحياة الثقافية التي ازدهرت سواء في كثرة المدارس والعلوم والحلقات التدريسية ، أو في تعدّد الأساتذة وكثرة المؤلفين وتضاعف النتاج وانتشار الثقافة .
وإذا عرف العصر العبّاسى بالعصر الذهبي ، فإن ذهبيّته تلك رصّعت بولادة رجل كبير ، استطاع أن يشكَّل قفزة واسعة في ميادين الأدب واللغة والإجتماع والتأليف والكتابة ، ألا وهو الجاحظ أحد أعلام الكتابة في العصر العبّاسي الثاني .


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد للَّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد . . .
فقد اتّسم العصر العباسي بثروة فكرية عارمة تمثّلت بالدراسات والعلوم والآداب والآثار الجمّة ، التي ظهرت في مرحلة ذهبية ، كان لها كبير الأثر في تنمية الأدب وإغناء التراث العربي وتطويره . والملاحظ أن العصر العباسي كان غنيّا بالأدباء والشعراء على اختلاف مراحله ، وهذا ناشىء عن الحياة الثقافية التي ازدهرت سواء في كثرة المدارس والعلوم والحلقات التدريسية ، أو في تعدّد الأساتذة وكثرة المؤلفين وتضاعف النتاج وانتشار الثقافة .
وإذا عرف العصر العبّاسى بالعصر الذهبي ، فإن ذهبيّته تلك رصّعت بولادة رجل كبير ، استطاع أن يشكَّل قفزة واسعة في ميادين الأدب واللغة والإجتماع والتأليف والكتابة ، ألا وهو الجاحظ أحد أعلام الكتابة في العصر العبّاسي الثاني .

5


كنيته أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي ، من بني كنانة ، بن خزيمة من مضر . ولد في البصرة سنة 160 ه تقريبا . ولقّب بالجاحظ لجحوظ في عينيه .
نشأ الجاحظ في بيت متواضع من أبوين فقيرين . ولم يتحدث الرواة عن أبيه ، وإنما ذكروا جده الذي كان يعمل جمّالا عند بني كنانة . توفي أبوه وهو طفل ، فتعهّدته أمّه ، فكان لا بد أن يحيا في عوز وضيق .
وراح يبيع السمك والخبز ارتزاقا على ضفاف نهر سيحان في البصرة .
كان ميّالا منذ حداثته الى الدراسة والعلوم ، فأكبّ على العلم يطلبه برغبة شديدة ، فصار يختلف الى بعض الكتاتيب ، وحلقات المسجديينّ في البصرة ، ثم في المربد ، وهو سوق قرب البصرة كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية . وكان المربد ميدان التنافس بين الخطباء والشعراء .
فاكتسب الجاحظ علما وثقافة ومعرفة . وتلقى العلوم والآداب على أيدي جماعة من كبار أساتذة العصر وأدبائه ومفكرّيه ، فغدا طالب علم للأخفش ، والأصمعي ، وأبي عبيدة ، وأبي زيد الأنصاري ، يدرس عليهم ، ويتعمّق بعلومهم ومن ثم ينتقل الى حلقة إبراهيم بن سيّار فيتأثر به ، ويضحى واحدا من المعتزلة كأستاذه النظَّام البلخي أحد أئمة المفكرين ، وشيخا للمعتزلة في ذاك العصر .
وكانت لمعتزلة تؤمن بالعقل ، كما كان علم الكلام والجدل موضوع كل مجلس ، وكل منتدى ، فنزع الجاحظ نزعة إعتزالية . . . وإذا كان اساتذة عصره قد طبّعوا الجاحظ بميزات فكرية وأدبية ولغوية وعلمية فريدة ، فإن المعتزلة تركت آثارها العقلية عميقة في كتاباته ، وطرائق تفكيره وتآليفه . وبات له نمط واضح ثابت ، يستدلّ عليه من كتبه ، ومن موضوعاته .


كنيته أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي ، من بني كنانة ، بن خزيمة من مضر . ولد في البصرة سنة 160 ه تقريبا . ولقّب بالجاحظ لجحوظ في عينيه .
نشأ الجاحظ في بيت متواضع من أبوين فقيرين . ولم يتحدث الرواة عن أبيه ، وإنما ذكروا جده الذي كان يعمل جمّالا عند بني كنانة . توفي أبوه وهو طفل ، فتعهّدته أمّه ، فكان لا بد أن يحيا في عوز وضيق .
وراح يبيع السمك والخبز ارتزاقا على ضفاف نهر سيحان في البصرة .
كان ميّالا منذ حداثته الى الدراسة والعلوم ، فأكبّ على العلم يطلبه برغبة شديدة ، فصار يختلف الى بعض الكتاتيب ، وحلقات المسجديينّ في البصرة ، ثم في المربد ، وهو سوق قرب البصرة كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية . وكان المربد ميدان التنافس بين الخطباء والشعراء .
فاكتسب الجاحظ علما وثقافة ومعرفة . وتلقى العلوم والآداب على أيدي جماعة من كبار أساتذة العصر وأدبائه ومفكرّيه ، فغدا طالب علم للأخفش ، والأصمعي ، وأبي عبيدة ، وأبي زيد الأنصاري ، يدرس عليهم ، ويتعمّق بعلومهم ومن ثم ينتقل الى حلقة إبراهيم بن سيّار فيتأثر به ، ويضحى واحدا من المعتزلة كأستاذه النظَّام البلخي أحد أئمة المفكرين ، وشيخا للمعتزلة في ذاك العصر .
وكانت لمعتزلة تؤمن بالعقل ، كما كان علم الكلام والجدل موضوع كل مجلس ، وكل منتدى ، فنزع الجاحظ نزعة إعتزالية . . . وإذا كان اساتذة عصره قد طبّعوا الجاحظ بميزات فكرية وأدبية ولغوية وعلمية فريدة ، فإن المعتزلة تركت آثارها العقلية عميقة في كتاباته ، وطرائق تفكيره وتآليفه . وبات له نمط واضح ثابت ، يستدلّ عليه من كتبه ، ومن موضوعاته .

6


ولم يمض وقت طويل حتى إذا أحس باكتمال القوى ، قصد بغداد ، وأقام فيها . وهناك بزغ فجر الجاحظ ، وأخذ يتألَّق ، واضعا كتبه الأولى منسوبة إلى عبد اللَّه بن المقفّع ، وسهل بن هارون ، ليقرأها الناس وتشيع بينهم . فأصبح اسم الجاحظ يتردّد على كل شفة ولسان . وكثر الحاسدون ، فأرادوا تقليد أسلوب الجاحظ ، والإنتقاص منه ، إلَّا أنّهم لم يفوزوا .
وقرأ له الخليفة المأمون بعض كتبه في الإمامة ، فأعجب بها ، وقدم إليه أبو عثمان كتاب « العباسيّة » فنال ثوابه . وما كان من الخليفة المأمون إلَّا أن أسند إليه ديوان الكتّاب ، الذي لم يطل الإقامة فيه ، وبعد ثلاثة أيام طلب الجاحظ من الخليفة إعفاءه من هذه المسؤولية التي تحتّم على صاحبها طبعا رصينا ، ومسلكية صارمة لا تتلاءم ومزاج الجاحظ وطبائعه . وتوطَّدت روابطه بكبار رجال عصره ، فاتصل الجاحظ بمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير المعتصم ، وكتب له ومدحه ، وأهداه كتاب « الحيوان » فأجازه الوزير بخمسة آلاف دينار ، ثم أغدق عليه مالا كثيرا جعله يقوم برحلات عديدة إلى دمشق وأنطاكيا ومصر . . .
ولما صارت الخلافة الى المتوكل ، نكب الوزير ابن الزيات بيد القاضي محمد بن أبي دؤاد ، فهرب الجاحظ ، ثم أعيد الى القاضي مقّيدا ، مغلول العنق ، معتذرا عن فراره ، وقد أبدى إبن أبي دؤاد إعجابه به ، فقال « أنا أثق بظرفه ، ولا أثق بدينه » . وقدم إليه الجاحظ كتابه « البيان والتبيين » ، بعد أن انقطع إليه عاما كاملا . وتدرّجت إتصالاته حتى بلغت الفتح بن خاقان ، فقدم له بعض كتبه . وجعله المتوكل مؤدبا لأولاده . ولما رأى بشاعته صرفه . وقد حدّث الجاحظ في ذلك عن نفسه ، فقال : « ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده ، فلما رآني استبشع منظري ، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني » .
واتصل أبو عثمان أيضا بإبراهيم بن العبّاس الصولي ، وقد أهدى


ولم يمض وقت طويل حتى إذا أحس باكتمال القوى ، قصد بغداد ، وأقام فيها . وهناك بزغ فجر الجاحظ ، وأخذ يتألَّق ، واضعا كتبه الأولى منسوبة إلى عبد اللَّه بن المقفّع ، وسهل بن هارون ، ليقرأها الناس وتشيع بينهم . فأصبح اسم الجاحظ يتردّد على كل شفة ولسان . وكثر الحاسدون ، فأرادوا تقليد أسلوب الجاحظ ، والإنتقاص منه ، إلَّا أنّهم لم يفوزوا .
وقرأ له الخليفة المأمون بعض كتبه في الإمامة ، فأعجب بها ، وقدم إليه أبو عثمان كتاب « العباسيّة » فنال ثوابه . وما كان من الخليفة المأمون إلَّا أن أسند إليه ديوان الكتّاب ، الذي لم يطل الإقامة فيه ، وبعد ثلاثة أيام طلب الجاحظ من الخليفة إعفاءه من هذه المسؤولية التي تحتّم على صاحبها طبعا رصينا ، ومسلكية صارمة لا تتلاءم ومزاج الجاحظ وطبائعه . وتوطَّدت روابطه بكبار رجال عصره ، فاتصل الجاحظ بمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير المعتصم ، وكتب له ومدحه ، وأهداه كتاب « الحيوان » فأجازه الوزير بخمسة آلاف دينار ، ثم أغدق عليه مالا كثيرا جعله يقوم برحلات عديدة إلى دمشق وأنطاكيا ومصر . . .
ولما صارت الخلافة الى المتوكل ، نكب الوزير ابن الزيات بيد القاضي محمد بن أبي دؤاد ، فهرب الجاحظ ، ثم أعيد الى القاضي مقّيدا ، مغلول العنق ، معتذرا عن فراره ، وقد أبدى إبن أبي دؤاد إعجابه به ، فقال « أنا أثق بظرفه ، ولا أثق بدينه » . وقدم إليه الجاحظ كتابه « البيان والتبيين » ، بعد أن انقطع إليه عاما كاملا . وتدرّجت إتصالاته حتى بلغت الفتح بن خاقان ، فقدم له بعض كتبه . وجعله المتوكل مؤدبا لأولاده . ولما رأى بشاعته صرفه . وقد حدّث الجاحظ في ذلك عن نفسه ، فقال : « ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده ، فلما رآني استبشع منظري ، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني » .
واتصل أبو عثمان أيضا بإبراهيم بن العبّاس الصولي ، وقد أهدى

7


إليه كتابه « الزرع والنخل » فمنحه جائزة مقدارها خمسة آلاف دينار .
وفي أخباره أنه زار سامرّاء أيضا ، واللاذقية ، وحلب ، إلى أن استقر في البصرة مركز تأليفه وكتاباته ، وفيها شرع يصنّف ويؤلف ، فأخذت حياته تتبدّل من الفقر الى الغنى ، ومن الصنعة الى الإنتشار ، حتى ذاع صيته وملأ دنياه .
كان الجاحظ أسود اللون كجدّه فزارة ، قصيرا ، دميما ، جاحظ العينين ، قبيح المنظر . إلى أن قيل فيه :
< شعر >
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا
ما كان إلا دون قبح الجاحظ
< / شعر >
وهو نفسه كان يتحدث عن قبحه . فقد روي أن إمرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة ، فلما وصلت هناك قالت للصائغ : « مثل هذا » ، وانصرفت . فسأل الجاحظ الصائغ ، ماذا قد عنت المرأة بقولها ذاك ، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها ، فاصطحبتك لتمثيل صورته . وهذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها .
ومهما تكن تلك البشاعة ، فإن الجاحظ لم يكن ثقيل الظل ، وإنما كان لطيفا محبوبا ، عذب اللسان ، قوي الشخصية . إستطاع بصفاء قلبه ، وصدق واقعيته ، ونفسيته المرحة أن يجمّل بشاعته ويزيل ما فيها من قرف واشمئزاز .
لقد تمتّع بطلاوة الحديث ، ورطوبة الفكاهة ، ورقة الدعابة . ومنح أبو عثمان ذكاء فائقا ، وملاحظة دقيقة ، وصراحة مطلقة ، وعقلا راجحا ، وثقة وتفاؤلا عميقين ما جعله رجلا عزيز الجانب غير مكروه ، ومحبّبا غير محتقر .
ينتظر الناس فرحه الحاضر ، وبديهته اليقظة ، إنتظارهم كتاباته ونوادره وطرائفه .
ظلّ الجاحظ عطاء يفيض ، وفكرا يدفق ، حتى أصيب بالفالج ثم بالنقرس . وقد عانى أبو عثمان من هذه الأمراض آلاما شديدة قضت على عنفوان رجل أراد أن يستمرّ بعطائه الفكري من أجل الحياة والإنسان .


إليه كتابه « الزرع والنخل » فمنحه جائزة مقدارها خمسة آلاف دينار .
وفي أخباره أنه زار سامرّاء أيضا ، واللاذقية ، وحلب ، إلى أن استقر في البصرة مركز تأليفه وكتاباته ، وفيها شرع يصنّف ويؤلف ، فأخذت حياته تتبدّل من الفقر الى الغنى ، ومن الصنعة الى الإنتشار ، حتى ذاع صيته وملأ دنياه .
كان الجاحظ أسود اللون كجدّه فزارة ، قصيرا ، دميما ، جاحظ العينين ، قبيح المنظر . إلى أن قيل فيه :
< شعر > لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ما كان إلا دون قبح الجاحظ < / شعر > وهو نفسه كان يتحدث عن قبحه . فقد روي أن إمرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة ، فلما وصلت هناك قالت للصائغ : « مثل هذا » ، وانصرفت . فسأل الجاحظ الصائغ ، ماذا قد عنت المرأة بقولها ذاك ، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها ، فاصطحبتك لتمثيل صورته . وهذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها .
ومهما تكن تلك البشاعة ، فإن الجاحظ لم يكن ثقيل الظل ، وإنما كان لطيفا محبوبا ، عذب اللسان ، قوي الشخصية . إستطاع بصفاء قلبه ، وصدق واقعيته ، ونفسيته المرحة أن يجمّل بشاعته ويزيل ما فيها من قرف واشمئزاز .
لقد تمتّع بطلاوة الحديث ، ورطوبة الفكاهة ، ورقة الدعابة . ومنح أبو عثمان ذكاء فائقا ، وملاحظة دقيقة ، وصراحة مطلقة ، وعقلا راجحا ، وثقة وتفاؤلا عميقين ما جعله رجلا عزيز الجانب غير مكروه ، ومحبّبا غير محتقر .
ينتظر الناس فرحه الحاضر ، وبديهته اليقظة ، إنتظارهم كتاباته ونوادره وطرائفه .
ظلّ الجاحظ عطاء يفيض ، وفكرا يدفق ، حتى أصيب بالفالج ثم بالنقرس . وقد عانى أبو عثمان من هذه الأمراض آلاما شديدة قضت على عنفوان رجل أراد أن يستمرّ بعطائه الفكري من أجل الحياة والإنسان .

8


وفي أواخر حياته ، سعى إليه المتوكَّل طالبا إيّاه ، فأجابه الجاحظ : « وما يصنع أمير المؤمنين بامرىء ليس بطائل ، ذي شقّ مائل ، ولعاب سائل ، ولون حائل ؟ » . وقال المّبرد : « دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له :
كيف أنت ؟ قال : كيف يكون من نصفه مفلوج نو حزّ بالمناشير لا يشعر به ، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه » .
ولم يهجره الألم ؛ بل تفاقم . وظل يرافقه مرافقة الكتب له . وما كاد يطوي صفحة من صفحاتها ، حتى طوت سطور أيّامه الأخيرة بسقوطها عليه ، مشكَّلة قبره الذي أحب مغمورا بالورق والأحرف والكلمات .
وهكذا كانت ميتة شهيد الكتاب سنة 255 ه .
للجاحظ أكثر من مئة وسبعين كتابا بين رسالة صغيرة ومؤلف ، إلا أن معظم هذه الآثار لم يسلم . وإن عوامل كثيرة كانت سببا في ضياع مؤلفات عديدة لعباقرة عرب كالجاحظ . وبقي لنا بقية مما ألَّفه أبو عثمان وأودعه خزائن التراث العربي ، نذكر منها : كتاب البيان والتبيين ، وكتاب الحيوان ، وكتاب البخلاء الذي نخصّصه هنا بالتفصيل . وإنك إذا قرأته قراءة عميقة وجدت ، ما يرمي إليه صاحبه من أبعاد تتناول حياة العصر العباسي ، وشؤون الناس ، وما أحاط بها من تغيّرات طارئة ، وعادات دخيلة ، وتقاليد غريبة ، وأفكار جديدة على الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والفكرية .
إذن ما هو هذا الكتاب ، وما غايته ، وماذا يتضمن ؟
هو كتاب يصوّر أحوال فئة من الناس اتخذت لنفسها منهجا معيّنا في التفكير والتصرّف والسلوك . وباتت مقتنعة به اقتناعا كاملا ، تبدّدت في ظله كل الأشياء الأخرى . فإذا البخل هو واقعهم ومفهومهم وحياتهم التي يسيرون عليها ، محاولين إسدال ستار من العلم عليه ، علَّهم في ذلك يقنعون الناس إيهاما بأنهم أصحاب فكر ومنطق ، ورجال تدبير ، وذو واقتصاد وتوفير .
كان الجاحظ في كتاب البخلاء عالما شأنه في جميع مؤلفّاته . كان عالما طبيعيا


وفي أواخر حياته ، سعى إليه المتوكَّل طالبا إيّاه ، فأجابه الجاحظ : « وما يصنع أمير المؤمنين بامرىء ليس بطائل ، ذي شقّ مائل ، ولعاب سائل ، ولون حائل ؟ » . وقال المّبرد : « دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له :
كيف أنت ؟ قال : كيف يكون من نصفه مفلوج نو حزّ بالمناشير لا يشعر به ، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه » .
ولم يهجره الألم ؛ بل تفاقم . وظل يرافقه مرافقة الكتب له . وما كاد يطوي صفحة من صفحاتها ، حتى طوت سطور أيّامه الأخيرة بسقوطها عليه ، مشكَّلة قبره الذي أحب مغمورا بالورق والأحرف والكلمات .
وهكذا كانت ميتة شهيد الكتاب سنة 255 ه .
للجاحظ أكثر من مئة وسبعين كتابا بين رسالة صغيرة ومؤلف ، إلا أن معظم هذه الآثار لم يسلم . وإن عوامل كثيرة كانت سببا في ضياع مؤلفات عديدة لعباقرة عرب كالجاحظ . وبقي لنا بقية مما ألَّفه أبو عثمان وأودعه خزائن التراث العربي ، نذكر منها : كتاب البيان والتبيين ، وكتاب الحيوان ، وكتاب البخلاء الذي نخصّصه هنا بالتفصيل . وإنك إذا قرأته قراءة عميقة وجدت ، ما يرمي إليه صاحبه من أبعاد تتناول حياة العصر العباسي ، وشؤون الناس ، وما أحاط بها من تغيّرات طارئة ، وعادات دخيلة ، وتقاليد غريبة ، وأفكار جديدة على الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والفكرية .
إذن ما هو هذا الكتاب ، وما غايته ، وماذا يتضمن ؟
هو كتاب يصوّر أحوال فئة من الناس اتخذت لنفسها منهجا معيّنا في التفكير والتصرّف والسلوك . وباتت مقتنعة به اقتناعا كاملا ، تبدّدت في ظله كل الأشياء الأخرى . فإذا البخل هو واقعهم ومفهومهم وحياتهم التي يسيرون عليها ، محاولين إسدال ستار من العلم عليه ، علَّهم في ذلك يقنعون الناس إيهاما بأنهم أصحاب فكر ومنطق ، ورجال تدبير ، وذو واقتصاد وتوفير .
كان الجاحظ في كتاب البخلاء عالما شأنه في جميع مؤلفّاته . كان عالما طبيعيا

9


في كتاب « الحيوان » ، وعالما نقديا في « البيان والتبيين » ، وها هو عالم إجتماعي وناقد في كتاب البخلاء ، يدرس أحوال الناس من خلال سلوكهم ومعاشهم ، يحلَّل أوضاع طبقة من المجتمع العباسي تأثّرت بعوامل طارئة جديدة .
إستهل كتابه بردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل ونوادره . وقد صدّره بمقدمة طويلة ، حاول فيها أن يثير اهتمام القراء ، وأن يشعرهم بشيء من الرغبة والتشويق . ومن المقدمة انتقل إلى إثبات رسالة سهل بن هارون التي بعث بها إلى بعض أقربائه ، الذين اتّهموه بالبخل . وعمد الجاحظ أيضا إلى ذكر نوادر البخلاء وسرد قصصهم ، بادئا بأهل مرو ، وأهل خراسان ، متوقفا عند أهل البصرة من المسجديين ممن يسميهم « أصحاب الجمع والمنع » ، منتقلا الى الأشحّاء من أصحابه ومعاصريه كزبيدة بن حميد ، وأحمد بن خلف اليزيدي ، وخالد بن يزيد ، وأبي محمد الخزامي ، والحارثي ، والكندي ، وابن أبي بردة ، واسماعيل بن غزوان ، وموسى بن عمران ، والأصمعي ، والمدائني وطرائف شتّى ، استطاع من خلالها أن يعطينا عيّنات صادقة عن كل حيلة ، وكل نادرة بأسلوب قصصي طريف ، وبراعه فنيّة رائعة . وبعد ذكر نوادره يجد الجاحظ أن البخل عندهم اقتصاد فني ، ولهم في ذلك آراء قلما تخطر ببال إنسان .
وللبخلاء عند الجاحظ أقوال كثيرة في وضع كل شيء موضعه ، في إظهار منافع المأكولات وأضرارها ، فنوى الثمر يعقد الشحم في البطن ، وقشور الباقلاء تحتوي الغذاء « إن الباقلاء يقول : من أكلني بقشوري فقد أكلني ، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله » .
وأما غاية الكتاب هذا ، فإننا نجد أن فريقا من الدراسين ذهب الى أن الجاحظ أراد منه الترويح عن النفس ، وإضحاك القارىء . ولكن مهما يكن من أمر ، فإن أبا عثمان لم يكن يقنع نفسه بأن مؤلَّفه هذا قد وضع من أجل الهزل والتسلية ، إنما له فيه أيضا غاية جليلة ؛ وهي تصوير طبقة محددة ظهرت في المجتمع العباسي ، أرادت أن تسلك طريقا جديدة من العادات والأخلاق التي لم يألفها العربي سابقا . وإن مؤثرات دخيلة أحدثت فجوات واسعة في


في كتاب « الحيوان » ، وعالما نقديا في « البيان والتبيين » ، وها هو عالم إجتماعي وناقد في كتاب البخلاء ، يدرس أحوال الناس من خلال سلوكهم ومعاشهم ، يحلَّل أوضاع طبقة من المجتمع العباسي تأثّرت بعوامل طارئة جديدة .
إستهل كتابه بردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل ونوادره . وقد صدّره بمقدمة طويلة ، حاول فيها أن يثير اهتمام القراء ، وأن يشعرهم بشيء من الرغبة والتشويق . ومن المقدمة انتقل إلى إثبات رسالة سهل بن هارون التي بعث بها إلى بعض أقربائه ، الذين اتّهموه بالبخل . وعمد الجاحظ أيضا إلى ذكر نوادر البخلاء وسرد قصصهم ، بادئا بأهل مرو ، وأهل خراسان ، متوقفا عند أهل البصرة من المسجديين ممن يسميهم « أصحاب الجمع والمنع » ، منتقلا الى الأشحّاء من أصحابه ومعاصريه كزبيدة بن حميد ، وأحمد بن خلف اليزيدي ، وخالد بن يزيد ، وأبي محمد الخزامي ، والحارثي ، والكندي ، وابن أبي بردة ، واسماعيل بن غزوان ، وموسى بن عمران ، والأصمعي ، والمدائني وطرائف شتّى ، استطاع من خلالها أن يعطينا عيّنات صادقة عن كل حيلة ، وكل نادرة بأسلوب قصصي طريف ، وبراعه فنيّة رائعة . وبعد ذكر نوادره يجد الجاحظ أن البخل عندهم اقتصاد فني ، ولهم في ذلك آراء قلما تخطر ببال إنسان .
وللبخلاء عند الجاحظ أقوال كثيرة في وضع كل شيء موضعه ، في إظهار منافع المأكولات وأضرارها ، فنوى الثمر يعقد الشحم في البطن ، وقشور الباقلاء تحتوي الغذاء « إن الباقلاء يقول : من أكلني بقشوري فقد أكلني ، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله » .
وأما غاية الكتاب هذا ، فإننا نجد أن فريقا من الدراسين ذهب الى أن الجاحظ أراد منه الترويح عن النفس ، وإضحاك القارىء . ولكن مهما يكن من أمر ، فإن أبا عثمان لم يكن يقنع نفسه بأن مؤلَّفه هذا قد وضع من أجل الهزل والتسلية ، إنما له فيه أيضا غاية جليلة ؛ وهي تصوير طبقة محددة ظهرت في المجتمع العباسي ، أرادت أن تسلك طريقا جديدة من العادات والأخلاق التي لم يألفها العربي سابقا . وإن مؤثرات دخيلة أحدثت فجوات واسعة في

10

لا يتم تسجيل الدخول!